القاعدة الأساسية لنظام الحكم في الدولة الإسلامية، من منظور القرآن الكريم، هي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [1] هذا التعبير القرآني المختصر يدل، وفقًا لقواعد اللغة العربية، على مجموعة من المعاني التي توجهنا إلى كيفية تنظيم الشأن السياسي في الإسلام. وسنوضح هنا هذه المعاني بناءً على السياق والقرائن اللغوية، انطلاقًا من أول كلمة في الآية، وهي: ﴿أمر﴾.
كلمة ﴿أمر﴾ في اللغة العربية لها دلالات متعددة، والمتمكنون من اللغة والأدب يعلمون أن معاني هذه الكلمات تحدّد وفقًا للسياق والمقام الذي وردت فيه.
فما معنى ﴿الأمر﴾ في آية سورة الشورى؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال، دعونا نعرض بعضًا من معاني هذه الكلمة كما وردت في استعمالات العرب:
في شعر يزيد بن الحكم الهلالي، استعملت بمعنى الترغيب والمشورة:
أما عمرو بن صبغة الرقاشي، فقد استخدمها بالمعنى الذي نستعمل فيه اليوم كلمة "قضية" أو "معاملة" في الشؤون اليومية:
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
وفي شعر أبي صخر الهذلي، جاءت الكلمة بمعنى الحكم والسّلطان:
أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
أما صفية بنت عبد المطلب فقد وظّفت الكلمة بمعناها السياسي والاجتماعي، حيث جمعت بين الحكم والتنظيم الجماعي:
لقد استخدم لفظ "الأمر" في القرآن الكريم أيضًا بكل هذه المعاني، ويفهم معناه في كل موضع من خلال السياق والقرائن.
وفي آية سورة الشورى، فإن سياق الكلام ومقامه يدل دلالة واضحة على أن المقصود بـ "الأمر" هو النظام (الحكم). وهذا المعنى متفرّع عن المعنى الأصلي لكلمة "الأمر" التي تدل على الحكم، لأن الحكم إذا تعلق بجماعة، اقتضى تنظيمه وتحديده بقواعد وضوابط. وعندئذ يشمل اللفظ أوامر السلطة السياسية ونظام الجماعة معًا.
ولو تأملنا، لوجدنا أن كلمة "النظام" في لغتنا المعاصرة تؤدي هذا المعنى ذاته. ثم إن الآية الكريمة أضافت "الأمر" إلى ضمير الغائب دون أن تقيّده بصفة أو تخصيص، وهو ما يعني أن جميع جوانب النظام مشمولة في مدلول هذا اللفظ. فكل ما يتعلّق بشؤون البلديات، والمسائل القومية والإقليمية، والقوانين السياسية والاجتماعية، وسنّ التشريعات، وتوزيع السلطات، وتعيين وعزل الحكّام، وتفسير الدين في سياق الحياة الجماعية، كل هذه الأمور تدخل ضمن ما أشارت إليه الآية. فلا مجال في الدولة الإسلامية لأي فرع أو دائرة من دوائرها أن تكون خارجة عن هذا النطاق أو بمعزل عن تأثيره.
أما الكلمة الثانية في الآية، فهي ﴿شورى﴾، وهي مصدر على وزن "فُعلى"، بمعنى المشاورة. وبما أن الكلمة وردت في الآية بصيغة المصدر لتكون خبرًا عن ﴿أمرهم﴾، فقد تغيّر مدلول الجملة كليًا مقارنةً بما ورد في قوله تعالى:﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾[2] فلو أراد القرآن المعنى نفسه، لقال مثلًا: "وفي الأمر هم يشاورون"، ومثل هذا التعبير كان سيفهم منه أن المجتمع قد انقسم مسبقًا إلى أمير ومأمور، وأن هذا الأمير قد وصل إلى منصبه إما بتفويض إلهي، أو بالقوة والغلبة، أو بتعيين من إمام معصوم.
وفي كل هذه الحالات، يكون ملزمًا فقط بالتشاور قبل اتخاذ القرار، دون أن يكون ملزمًا بقبول رأي أحد، أو باتباع الأغلبية، أو بتحقيق الإجماع.
أما في قوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، فإن التغيير في الأسلوب يقتضي أن تكون الإمارة نفسها ناتجة عن المشورة، وأن النظام برمّته ينبثق عن التشاور، وأن حق التشاور مكفول بالتساوي للجميع. فما يبنى بالمشورة، لا ينقض إلا بالمشورة.
وما ينشأ برأي الجماعة، يجب أن يكون كل فرد في الجماعة شريكًا في إقامته.
فإن لم يتم الاتفاق بالإجماع، فالفصل يكون برأي الأغلبية.
نضرب على ذلك مثالًا من لغتنا:
عندما نقول: "القرار في ملكية هذا البيت سيكون بتشاور الإخوة العشرة"، فهذا يعني أنهم وحدهم أصحاب القرار، وأن آراءهم متساوية، وإذا لم يتفقوا جميعًا، يرجّح رأي الأكثرية. أما إذا قلنا: "سيستشار الإخوة العشرة في قرار ملكية البيت"، فالمعنى حينها أن القرار بيد شخصٍ آخر، وعليه فقط أن يستشيرهم، لكنه غير ملزم بقبول رأيهم أو اتباع إجماعهم أو أغلبيتهم. وبما أن الآية نصّت على ’وأمرهم شورى بينهم‘ فنحن نرى أن الأساس في النظام الجماعي للمسلمين يجب أن يكون هذا المبدأ. وبناءً عليه، فإن اختيار الأمراء والحكام، وتعيين مناصب الحكم، لا يكون إلا بالمشورة، ولا يجوز بعد تولّي المنصب أن يعرض الحاكم عن رأي الأمة أو يتجاهل إجماعها أو أغلبيتها في شؤونها العامة.
وفي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ كتب صاحب "تفهيم القرآن"، الشيخ السيّد أبو الأعلى المودودي، ما نصّه:
"إن قاعدة ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ بحسب طبيعتها وفطرتها، تقتضي خمسة أمور أساسية:
أولًا: أن تكون للناس الذين ترتبط الشؤون العامة بحقوقهم ومصالحهم حرية تامة في إبداء الرأي، وأن يكونوا مطّلعين تمامًا على كيفية إدارة شؤونهم، وأن يُمنحوا الحق الكامل في الاعتراض والاحتجاج متى رأوا خللًا أو تقصيرًا فيمن يتولّى شؤونهم، وأن يكون لهم الحق في تغيير المسؤولين إن لم يتم الإصلاح. فإدارة الشؤون العامة بكتم أفواه الناس، وتقييد حرياتهم، وإبقائهم في الجهل بما يدبّر لهم، هو خيانة صريحة، لا يمكن أن يعدّها أحد امتثالًا لقاعدة ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
ثانيًا: أن الشخص الذي يكلّف بإدارة الشؤون العامة، يجب أن يعيّن برضى الناس، وهذا الرضا لا بد أن يكون رضًا حرًا نزيهًا، لا ذلك الذي ينتزع بالإكراه أو الترهيب، ولا الذي يشترى بالمال أو الإغراء، ولا الذي يستخرج بالخداع والمكر والتضليل. فالقائد الحقيقي لأي أمّة، ليس من يسعى بكل وسيلة إلى نيل المنصب، بل من يختاره الناس طوعًا واختيارًا ليكون قائدهم.
ثالثًا: أن من يختارون لتقديم المشورة يجب أن يكونوا موضع ثقة الأمة، ومن الواضح أن من يصل إلى هذا الموقع عن طريق الضغط أو المال أو الكذب والمكر أو تضليل الناس، لا يمكن أن يعد محل ثقة حقيقية.
رابعًا: أن يقدّم المستشارون آراءهم وفق علمهم وضميرهم وإيمانهم، ويجب أن يتمتعوا بحرية تامة في التعبير عن هذه الآراء. ففي المكان الذي يرغم فيه المستشارون على مخالفة ضمائرهم بسبب الطمع أو الخوف أو الانتماء الحزبي، فإنّ ذلك يكون خيانة وغدرًا، لا مشاورة صادقة على ضوء قوله تعالى﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
خامسًا: أن تقبل المشورة التي يتفق عليها أهل الشورى بالإجماع، أو التي تنال تأييد أغلبيتهم، لأنه إذا كانت المشورة تؤخذ، ثم يترك القرار النهائي لشخص واحد أو لفئة محدودة يفعلون ما يشاؤون، فإن المشاورة تصبح بلا معنى. فالله تعالى لم يقل: "ويستشارون في شؤونهم"، بل قال: "وشؤونهم تدار بالتشاور بينهم".
وهذا لا يتحقق بمجرد أخذ المشورة، بل لا بد أن يعمل بما يتم الاتّفاق عليه، بالإجماع أو بالأغلبية."[3]
إن هذا المبدأ القرآني ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ مؤيّد كذلك بالعقل والفطرة السليمة.
فليس في المسلمين أحد معصوم، وقد يكون أحدهم فائقًا في العلم والتقوى، بل قد يكون أجدر من غيره بالإمارة أو الخلافة، بل وقد يرى هو نفسه أنه الأحق بها.
لكن، كما أن مجرد هذه الفضائل لا تكفي لتبرير تجاوزه رأي الأمة وسعيه لتولّي الخلافة من دون رضاها، كذلك فإن تولّيه المنصب بمشورة المسلمين لا يعني أنه أصبح معصومًا، ولا يعني أنه نال حق رفض إجماع أهل الرأي أو ردّ رأي أغلبيتهم لمجرد مخالفته لرأيه الشخصي. وقد كان هذا الحق، أي تجاوز رأي الجماعة، من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك لأنه نبيّ معصوم مؤيّد من الله.
ومع ذلك، فإن كتب التاريخ والسير لا تقدم مثالًا واحدًا على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تجاهل رأي الأغلبية من أهل الرأي لحساب رأيه الخاص في أي قضية. والأمير، في نهاية المطاف، هو فرد، وفي المقابل، فإن رأي الجماعة يحمل بلا شك احتمالات أعلى من الصواب والدقة. ولذلك، فإن على الأمير، إذا كان تقيًّا صالحًا، أن يتعامل مع رأيه الشخصي بمنتهى التواضع والاحتراز، كما عبّر عن ذلك أحد أئمة الفقه الكبار حين قال:
"نحن نقول إن رأينا صواب، ولكن يحتمل أن يكون فيه خطأ، ونقول إن رأي غيرنا خطأ، ولكن يحتمل أن يكون فيه صواب."
ثم إن من الحقائق النفسية والاجتماعية التي لا ينبغي إغفالها، أن أهل الشورى، إذا شعروا أن رأيهم الجماعي أو رأي أغلبيتهم ليس ملزمًا، فإنهم:
أولًا: قد لا يندفعون أصلًا إلى تقديم المشورة. وإن قدّر لهم أن يفعلوا، فإنهم سيفعلون ذلك على مضض وبلا حماسة. ولن تنال المسألة المعروضة عليهم الاهتمام الكافي أو الدراسة الجادة. بل سيستدرجون إلى مجلس الشورى دون رغبة صادقة، وسينصرفون عنه بنفوس متثاقلة. وفي هذه الحالة، لن تتكوّن علاقة حقيقية بينهم وبين مؤسسات الدولة والنظام السياسي القائم، لا في قلوبهم ولا في عقولهم.
وقد أوضح القاضي أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن هذا البُعد النفسي في مسألة الشورى، فقال:
"ولا يجوز أن يكون الأمر بالمشاورة مجرد تطييب للنفوس ورفع لمكانتهم، أو ليقتدي بهم الناس في مثل هذا، لأنه لو كان معلومًا لديهم أنهم، بعد أن يستفرغوا جهدهم في استنباط ما شوروا فيه، ويقدّموا الرأي الصواب فيما طلب منهم، ثم لا يعمل بشيء مما أشاروا به، ولا يؤخذ عنهم بشيء، فهذا لا يعدّ تطييبًا لقلوبهم، ولا رفعة لمكانتهم، بل هو إساءة لهم، وتأكيد لهم بأن آراءهم غير معتبرة ولا معمولة بها. فهذا تأويل ساقط لا معنى له، فكيف يسوّغ هذا التأويل لمن تأوّله ليقتدى به، مع أن الأمة عند هذا القائل تعلم أن هذه المشورة لا قيمة لها، ولا يعمل بشيء مما يشار به؟"[4]
وقد يورد البعض في معرض الاعتراض سلوك الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في التعامل مع مانعي الزكاة أو في إرسال جيش أسامة، كأمثلة لنقض الشورى، ولهذا ينبغي توضيح الحقيقة في هذه المسائل. وقد كتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي بشأنها:
"بالتأمل في قضية مانعي الزكاة، تتضح عدة حقائق جليّة:
أولًا: إنها ليست من قضايا الشورى بين الخليفة والجماعة، فـــ أبو بكر رضي الله عنه لم يعرض هذه المسألة على الشورى أصلًا، لأنها قضية منصوص عليها في الدين، وليست من المسائل الاجتهادية أو المتعلقة بالمصلحة. ففي الدولة الإسلامية، لا يجوز بحال اعتبار جماعة تمتنع عن أداء الزكاة كمواطنين مسلمين، بل هذا موقف محسوم في الشريعة الإسلامية، ومسؤولية الخليفة حينها ليست عرض المسألة على الشورى، بل تنفيذ الحكم الشرعي، وهذا ما فعله أبو بكر تمامًا. ويمكن تقريب المسألة بمثال: إذا قامت جماعة في الدولة الإسلامية بارتكاب القتل والفساد، فليس على الخليفة أن يستأذن الشورى لمعاقبتهم، بل يجب عليه أن يطبّق حكم القرآن في المحاربين باستخدام سلطاته كاملة.
ثانيًا: إن من أظهروا ترددًا في موقف الخليفة، كان سببه سوء فهم لحديث نبوي، وقد بيّن لهم أبو بكر المعنى الصحيح للحديث استنادًا إلى حديث آخر سمعه بنفسه من النبي صلى الله عليه وسلم، فاطمأنوا لذلك، وليس ثمة في نظرهم حديث أكثر قيمة من حديث يرويه أبو بكر الصديق.
ثالثًا: إن قول أبي بكر: "لو لم أجد من يعينني على قتالهم، لقاتلتهم وحدي"، لم يكن رفضًا لقرار الشورى، بل هو تعبير دقيق عن مسؤوليته الشرعية القطعية كخليفة، في تنفيذ حكم الله ورسوله. ففي الإسلام، إن المسؤولية الأساسية للخليفة هي تنفيذ الأحكام الشرعية بكل ما أوتي من قوة، حتى لو لم يسانده أحد، أما في الأمور الاجتهادية والمصلحية، فهو ملزم بمشورة الأمة. أما ما يخص جيش أسامة، فهو أمر أنجز كل ترتيبه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بما في ذلك تعيين القائد واختيار الجنود وربط الراية، ولولا اشتداد مرض النبي، لكان الجيش قد انطلق. فبعد وفاة النبي، رأى أبو بكر أن أعظم مسؤولية عليه كخليفة رسول الله، هي تنفيذ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يريده بشدة، وهو إرسال الجيش، فأمر بإرساله فورًا. ولذلك، عندما عارضه بعضهم لأسباب مصلحية تتعلق بالوقت، قال أبو بكر بصراحة تامة: "لا يمكنني حلّ راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم." وبالتالي، فلا يمكن الاستدلال من هذين الحدثين على أن للخليفة الحق في رفض قرارات الشورى، بل إنهما دليل واضح على أن الخليفة ليس ملزمًا بمشاورة الشورى في تنفيذ الأحكام القطعية للنصوص الشرعية، بل عليه أن ينفذها كما هي."[5]
بموجب المبدأ القرآني ’وأمرهم شورى بينهم‘ فإن أسلوب إشراك المسلمين في النظام الجماعي، كما تبنّاه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وفقًا لمقتضيات حضارتهم، قام على ركنين أساسيين:
أولًا: أن يشارك المسلمون في المشورة من خلال زعمائهم الموثوقين. ففي صحيح البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أذن المسلمون في عتق سبي هوازن:
"إني لا أدري من أذن منكم ومن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم."[6]
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ورد في سنن الدارمي:
"فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به."[7]
في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الزعامة العرفية للقبائل هي التي تضطلع بهذا الدور. وكانت زعامة الأوس والخزرج وقريش تعتبر موضع ثقة في كل ما يتعلق بشؤون القبائل. ورغم أنهم لم ينتخبوا بطريقة رسمية، إلا أن الظروف الاجتماعية آنذاك لم تكن تتطلب ذلك، كما أن مكانتهم الاجتماعية وخبرتهم جعلت الناس يرجعون إليهم في القضايا السياسية والاجتماعية. وفي الجاهلية، كانت هذه الثقة تمنح بحرية القبائل، وبعد الإسلام، استمرت تلك المكانة، ولا مجال للزعم بأنهم فرضوا أنفسهم بالقهر، إذ كان من الممكن لأتباعهم أن يعبّروا عن عدم الثقة بهم أمام النبي، ولو فعلوا، لما بقي لهم اعتبار. وقد اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على مشورة هؤلاء الزعماء في جميع القرارات المهمة، وظلت هذه المكانة محفوظة لهم كـ"أهل الحل والعقد"في عهد الخلافة الراشدة. وقد نقل القاضي أبو يوسف في سياق شورة عقدت في عهد عمر بن الخطاب بشأن أراضي العراق والشام:
"قالوا له: فاستشر، فاستشار المهاجرين الأولين، فوقع بينهم اختلاف. أما عبد الرحمن بن عوف، فرأى أن تقسّم الأراضي على أصحابها. بينما رأى عثمان، وعلي، وطلحة، وابن عمر رأي عمر. فأرسل إلى عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم."[8]
وقد أوضح عمر رضي الله عنه مكانته في مقابل أهل الشورى بقوله:
"ما جمعتكم إلا لتشاركوني في أمانتي التي حملتها من شؤونكم، فأنا فرد منكم، ولا أريد أن تتبعوا ما تمليه علي هواي."[9]
وكانت طريقة عقد هذه المجالس تبدأ بإعلان المنادي: "الصلاة جامعة"، أي: اجتمعوا للصلاة. ثم بعد أن يجتمع الناس، يصلي عمر ركعتين، ثم يلقي خطابًا موجزًا، ويطرح القضية محل البحث للنقاش والمداولة. وقد عرضت قضايا كبرى في مثل هذه المجالس، منها: أراضي العراق والشام، مسألة خروج الخليفة بنفسه إلى معركة نهاوند، تنظيم رواتب الجيش، تعيين الولاة، تنظيم الدواوين، تنظيم التجارة مع غير المسلمين، وجباية الضرائب منهم. وقد وردت تفاصيل هذه المجالس في كتب مثل: طبقات ابن سعد، كنز العمال، تاريخ الطبري، كتاب الخراج، وغيرها. وكتب البلاذري أن هناك مجلسًا آخر مكوّنًا من كبار الشخصيات في الدولة كان ينعقد يوميًا لمتابعة الشؤون الإدارية، وكان اجتماعه يتم في المسجد النبوي:
"كان للمهاجرين مجلس في المسجد، فكان عمر يجلس معهم فيه، ويطلعهم على ما يرد من شؤون الأقاليم."[10]
ثانيًا: أن منصب الإمامة والسيادة في الدولة يجب أن يسند، من بين مختلف الجماعات المسلمة الموجودة، إلى تلك الجماعة التي تحوز ثقة غالبية المسلمين. وقد قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبيل وفاته، أن الخلافة بعده لن تكون للأنصار، بل لقريش، فقال:
"إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين."[11]
ولهذا وجّه الأنصار بقوله: "قدّموا قريشًا ولا تتقدّموها."[12]
وبيّن سبب هذا القرار بقوله:
"الناس تبع لقريش في هذا الشأن: مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم."[13]
وهكذا، أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن قريش هم الأحق بالإمامة العامة، وذلك لأن ثقة المسلمين في الجزيرة العربية كانت لهم دون غيرهم، ففي ضوء مبدأ القرآن ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ لا يمكن لأي جماعة غير قريش أن تدّعي هذا الاستحقاق.
وليس هذا بسبب تفوّق نسبي أو تفضيل عنصري، بل لأن قريش كانوا ولاة الأمور السياسيين في الجاهلية، وكان أشرافهم هم قادة العرب. ورغم أن معارك بدر وأحد قد أودت بكثير من زعمائهم، فإن الثقة الجمعية في قريش ظلت راسخة. ومن الذين أسلموا من هؤلاء الزعماء، اجتمع كبارهم في المدينة، وتميّزوا بخدماتهم في الإسلام، وكانوا يعرفون بـ"المهاجرين"، واكتسبوا بين المسلمين مكانة تعادل ما كان لأشراف قريش في الجاهلية. ولم يكن هناك حاجة لإجراء انتخابات لإثبات هذه الحقيقة، ولا مجال للاختلاف فيها، لأن ثقة المسلمين في قريش كانت واضحة لا ينازعها أحد، ولم يكن هناك أي فصيل آخر يمكنه أن يتحداهم في الجزيرة. صحيح أن الأنصار، بقيادة سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، كان لهم نفوذ محلي قوي في المدينة، وكانت لهم خدمات عظيمة في الإسلام لا تقل عن المهاجرين، فهم الذين استقبلوا المهاجرين وناصروهم دون قيد أو شرط، وقاتلوا معهم في بدر وأحد والأحزاب وحنين، وضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء أيام المؤاخاة، ولا يمكن العثور على مثال مماثل في كتب التاريخ. ولو بقيت الدولة الإسلامية محصورة في المدينة، لكان من الراجح أن تنتقل الخلافة إليهم بعد وفاة الرسول، لكن فتح مكة وإسلام القبائل أحدث تحولًا كبيرًا، فأصبحت الكفة تميل بوضوح إلى قريش، وفقد الأنصار تأثيرهم السياسي السابق. ومع ذلك، كان هناك خطر محتمل، بأن يدفعهم الفخر القبلي والتنافس في الأعمال الصالحة، واعتمادهم على كثرتهم في المدينة، إلى دخولهم في صراع على السلطة، مما قد يفتح الباب أمام المنافقين لاستغلال الوضع، ويؤدي إلى فتنة لا مخرج منها سوى الحرب. ومن ثم، قرّر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسم هذا الأمر في حياته، فقال بوضوح، بحضور زعيم الأنصار سعد بن عبادة: "الأئمة من قريش."[14] ولما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتحدثوا بحماسة لإثبات استحقاقهم للخلافة، ذكّرهم أبو بكر الصديق بقول النبي، فقال:
"لقد علمت یا سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وأنت قاعد، قریش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء."
فأجابه سعد: صدقت. نحن الوزراء وأنتم الأمراء."[15]
وفي رواية أخرى:
"لم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش." [16]
وبعد إقرار سعد بن عبادة بهذا، أدرك الحاضرون في السقيفة أنهم انحرفوا عن المسار الصحيح في غمرة النقاش، وأن القضية ليست مَن يملك الشرعية، بل أي قائد من قريش ينبغي أن يختار. فمن يتم اختياره من زعمائهم، يكون هو خليفة المسلمين، وتجب طاعته، لأن قرار الانتقال السياسي قد حسمه النبي، ولا يجوز مخالفته. وهكذا تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس، ولما أقرّ كبار الأنصار بذلك، أعلن عمر بن الخطاب بيعة أبي بكر الصديق، وهو على يقين بأن زعماء المهاجرين لن يخالفوه، بل سيقرّون ما تم في السقيفة. وقد عبّر عن ذلك لاحقًا بقوله:
"فلا يغترنّ أحد فيقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت. ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها. وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. فمن بايع رجلًا دون مشورة من المسلمين، فلا تبايع له، ولا للذي بايعه، مخافة أن يقتلا." [17]
عند وفاة الصديق رضي الله عنه، كانت مكانة المهاجرين من قريش لا تزال محفوظة، ولم يدّع الأنصار أو أي فصيل آخر من العرب حصوله على ثقة الأغلبية في مقابلهم، ولذلك بقيت السلطة في أيديهم، ولم تكن هناك حاجة للرجوع إلى جمهور المسلمين لتأكيدها. ومن ثم، لما عيّن زعيم المهاجرين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أميرًا للمؤمنين، وقِبل زعماء المهاجرين والأنصار هذا التعيين، انتقلت الإمارة إليه بلا نزاع، وبما يتوافق مع مبادئ الدستور الإسلامي.
وقد روى ابن سعد أن أبا بكر رضي الله عنه، لما اشتد عليه المرض، استدعى عبد الرحمن بن عوف، وقال له:
"أخبرني عن عمر بن الخطاب." فقال عبد الرحمن: "ما تسألني عن أحد، وأنت أعلم به مني." فأصرّ أبو بكر، فقال عبد الرحمن: "هو والله، خير مما تظن به." ثم استدعى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسأله عن عمر، فقال له: "أنت أعلمنا به." فقال أبو بكر: "مع ذلك، يا أبا عبد الله؟" فقال عثمان: "اللهم، إنني أعلم أن باطنه خير من ظاهره، وما فينا مثله."[18]
ثم بيّن ابن سعد أن أبا بكر استشار كبار المهاجرين والأنصار، مثل:
سعيد بن زيد، أسيد بن حضير وغيرهما فقال أسيد:
"اللهم، أعلمه الخير بعدك، يرضى إذا رضي، ويسخط إذا سخط، باطنه خير من ظاهره، وليس فينا من هو أقوى على هذا الأمر منه."[19]
ثم ذكر ابن سعد أن بعضهم خالف رأي أبي بكر، لكنه أقنعهم، ثم استدعى عثمان، وقال له:
"اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا، خارجًا منها، وفي أول عهده بالآخرة، داخلًا فيها، حين يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدّق الكاذب. إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. ثم ختم الكتاب بخاتمه، وبأمره خرج عثمان بصحبة عمر وأسيد بن سعيد، وقال للناس: أتبايعون لمن ورد اسمه في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. ثم يقول ابن سعد: فأقرّوا جميعًا بذلك، ورضوا به، وبايعوه. ثم دعا أبو بكر عمر، وأوصاه بما أوصاه به."[20]
ثم لما جرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واقتربت وفاته، بقيت ثقة الأغلبية من المسلمين محفوظة للمهاجرين من قريش، ولذلك، وبحسب الدستور الإسلامي، كان الواجب على الجماعة ذات الأغلبية أن تختار قائدها الجديد. فطلب منه أهل الحل والعقد: "ألا تعهد إلينا؟ ألا تؤمر علينا؟"[21] لكن عمر، خلافًا لأبي بكر، لم يعين أحدًا، بل فوّض الأمر إلى ستة من كبار المهاجرين من قريش، وقال لهم:
"لقد نظرت في أمر الناس، فلم أر شقاقًا بينهم إلا أن يكون فيكم، فإن كان، فهو منكم. والأمر إلى هؤلاء الستة: عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص."[22]
وكان مقصده أن الأمة لا ترى أحدًا غيرهم أهلًا للإمارة، فإذا اتفقوا على أحدهم، فلن يعارضهم الناس. ثم قال لهم: "قوموا، فتشاوروا، فاختاروا منكم أميرًا."[23] ولأن عمر خشي أن يطيلوا المشاورة، أو أن يحدث المفسدون فتنة، عيّن عليهم حرسًا من الأنصار، فأمر أبا طلحة الأنصاري وقال له:
"كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء الستة أصحاب الشورى، فإنهم سيجتمعون غالبًا في بيت أحدهم، فقف عند الباب مع أصحابك، ولا تدع أحدًا يدخل عليهم، ولا تدعهم يتجاوزون اليوم الثالث حتى يعيّنوا أحدهم."[24]
وأمر عمر هؤلاء الستة أن يحضروا معهم كبار الأنصار، ولكن بيّن أن لا دور لهم في اتخاذ القرار، فقال:
"أحضروا معكم من شيوخ الأنصار، ولكن ليس لهم من أمركم شيء."[25]
ثم اجتمع الستة، واقترح عبد الرحمن بن عوف على ثلاثة منهم أن يتنازل كل منهم لصالح أحد الثلاثة الآخرين. فوافق الزبير وتنازل لعلي، وتنازل طلحة وسعد لعثمان وعبد الرحمن. ثم طلب عبد الرحمن من علي وعثمان رضي الله عنهم أن يفوّضا إليه أمر الاختيار،
فرضيا بذلك. فقال عبد الرحمن لـ علي رضي الله عنه:
"إن لك من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم. والله، عليك لئن استخلفت لتعدلن ولئن استخلف عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ."[26]
فلما وافق علي رضي الله عنه، قال عبد الرحمن بن عوف الكلام نفسه لعثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما رضي أيضًا، قال له: "يا عثمان، ابسط يدك. "فبسط يده، فبايعه علي رضي الله عنه، وبايعه باقي الحاضرين.[27]
أما مسألة اختيار علي رضي الله عنه، فقد يقال فيها رأيان، لكن هذا الاختلاف لا يتعلق بأي أصل من أصول النظام السياسي الإسلامي، بل يدور حول مسألة إجرائية، وهي: هل اجتمع جميع قادة قريش عند اختياره؟ وهل تم انتخابه بحرية تامة؟ أم كان هناك شيء من الإكراه؟ وهذه المسألة خارجة عن موضوع بحثنا، ولذلك، حتى لو تجاوزناها، فإن الحقيقة الثابتة، أن الخلافة الراشدة في مجموعها ظلت قائمة على أساس أن السلطة كانت في يد الجماعة الأكبر عددًا (المهاجرين من قريش)، وأن زعماءهم هم الذين باشروا عملية اختيار الخليفة بالشورى. ثم إن الحقيقة التي لا خلاف فيها، هي أن اختيار الخلفاء الأربعة لم يتم وفق أساليب مختلفة جوهريًا، بل تم وفق مبدأ واحد. كلهم اختيروا من داخل الجماعة الأكبر وتم اختيارهم بمشورة قادة بقية الجماعات أما الفرق، فهو في التفاصيل التنفيذية. أبو بكر رضي الله عنه عيّن عمر بعد أن أجمعوا عليه عمر رضي الله عنه، لما لم ير إجماعًا مباشرًا، حصر الاختيار في ستة من كبار المهاجرين، وترك لهم أن يختاروا أحدهم، ثم أعلن هو بنفسه هذا الترتيب وهكذا، ظل المبدأ الحاكم واحدًا، أن الإمامة تناط بأهل الشورى من الجماعة التي تحظى بثقة غالبية المسلمين.
[١٩٩٠م]
_______________
